مقتبس من رواية وفاء: ابراهيم السبكي.

لليلة، لم أنم النوم العميق الذي ألفته. هجرني الوسن فأضحيت ساهراً. ليس الليلة فحسب، بل في الآونة الأخيرة؛ لم يعد النوم يأخذني. هذا هو حالي منذ عشرين يوماً، تقريباً.
السّاعة، لم أسهر بسبب التلفزيون، لم يعد في الأفلام ولا في البرامج ما يغريني، في الواقع، أتلهى من وقت لآخر بقنوات الطبيعة، حتى إذا ما انتهت، أبدّل بالرّيموت للأخبار، ثمّ أخفض الصّوت حتّى الصّفر، وأتفرّج. لا أتفرج بالمعنى المتواضَع عليه بالضّبط، فقد يحدث أن تتسمّر عيناي في الشاشة، والعقل السّادرُ، يسبح في شاشة أخرى. أقولُ الحق. كيف أكون متابعاً وأنا أفكّرْ؟
لم يجافني النوم لأنّ إكرام اتّصلت كالعادة. فكرة كهذه، ولو هيَ كابسةٌ، لا يمكن، في أي حال من الأحوال، أن تخترقني وتخضخض دواخلي. هذا ما أعتقد، و صحيح إنّ الفتاة تتصل بي من حين لآخر، لكن، لماذا تخبرني عنكِ أنتِ بداية؟ ولماذا تُصرّ؟
في أوقات فائتة، قالت لي عبر الهاتف بنبرة غريبة، "إنّ حبل الحبّ الذي يربطكما معاً، أنتَ وهيَ، مبتورٌ من الوسط. وأنا من بترته".
في الأوّل، حسبت أنّ الشابّة قد تكون واحدة من المازحات من صديقاتك، أو لعلّها من صويحباتك، وربما من أقاربك أو معارفك. لهذا لم أجرؤ على استوضاح ما كانت تخبرني به، ولم أرغب في حرق أعصابي بفهم سيرتها، فبعد كلّ مكالمة، كنت أفسّر كلامها بمنطق المزاح ليس إلاّ.
سألتها ذات يوم عن عملها، فأجابت أنّها تشتغل في أحد الفنادق الفخمة بالناظور. لا أعلم لمَ لمْ أسألها المزيد في تلك اللويحظة، ربما آثرت أن لا أوغل كثيراً في حياتها، على الرغم من أن ثمة شيئاً ما يحدث ولا أفقه كنهه! أحدّس أن الفتاة تخفي وراءها عالما غريباً، أشعر بأنّها تبطن حكاية ما. زفرتْ زفرةً كاويةً، ثمّ قالت:
-هل تعرف لماذا أتصل بك ؟
- بالطبع لا. لماذا ؟
-لأنّني لم أجد من هؤلاء المتاعيس من يطفئ جمرتي المستعرة.
لم أستطع أن أستوعب ما سمعت !فهذا عقلي، وهو بسيطٌ جداً، في الغالب الأعمّ، لا يسعفني في أن أتبين فحوى ما يقال. الحقيقة. لا أجد ما يجعلني أستجيب لامرأة لا تفعل غير اجترار كلمات فقدت عذريتها. بإمكاني أن أمنح رداً، وأن أعلّق على كلّ حرف من كلامها ثمّ أقفل الخطّ؛ بيد أنني لم أفعل. مصرّ أنا، على إتمام هذه القصّة حتى النّهاية.
قد تجدين في حديثي هذا، ما يؤكّد على رأيكِ الذي، طالما اتخذتِه سلاحاً تشهرينه بوجهي كلّما غفوتُ.. السّاعة، ها إنّي أشاطرك إيّاه. أنا "عنيدٌ وأنانيّ ومجنون".
لم أكن من المنتظرين ليوم يأتي، وأتقلّب فيه بين هواجسي وشكوكي، بين أسئلتي وأجوبتي، أسألُ، ثمّ، أجدني في اللحظة عينها، أحتار وأعجز عن منح جواب شافٍ! ماذا أفعل؟ هل أنا مجنون حقاً؟ وهل كنت كذلك قبل أن أعرفك ؟ أم إنّ حبّك هو ما جعلني مجنوناً وعنيفاً؟
مازالت إكرام تكلمني عبر الهاتف:
-لقد أتلفني عبد الرّحيم، الرّجل الذي أفسد حياتي، وحرمني من النّسيان.
وتضيف:
-كان صديقاً رائعاً في بداياته.
لم أتكلم. ندت من جوفها آهة عميقة. ثم استرسلت:
-مازلت أذكر لقاءنا الأول. كيف أنسى أيّام الثانوية؟ يوم تعرّفنا إلى بعضنا، كانت السّماء تمطر وتسقي الأرض بعناية فائقة..
فجأة، توقفتْ عن الحكي. كأنّها انصدمت. كأنّها، امتلأت صمتاً. كأنّ شيئاً ما اخترق حلقها وحرمها من نعمة الكلام. أضافت بإيجاز:
-سأحكي لكَ التتمة ليلة غد..








مقتبس من رواية وفاء: ابراهيم السبكي.




أدخل تعليقك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


جميع الحقوق محفوظة المساعد الإلكتروني ©2012-2013 | ، نقل بدون تصريح ممنوع . Privacy-Policy| أنضم ألى فريق التدوين